Skip to: Site menu | Main content

       
 

 

نــاقـــد حـــر

 

الصفحة الرئيسية >> مقالات >> الفن الإسلامي والمسيحية

الفن الإسلامي والمسيحية

 

http://www.adabwafan.com/images/lookfeel/blank-pixel.gif


 
ميز بشر فارس عام 1949 في أحد أبحاثه عن تاريخ الفن الاسلامي بين تيارين كانا يتنازعان مدرسة بغداد للمنمنمات ، هما
: التيار الفارسي والتيار السوري القديم. كذلك جارى محمد عزيزة في أطروحته المنشورة بالفرنسية "الصورة والاسلام" طريقة بشر فارس وأضاف الى هذين العنصرين المؤثرين في تكوين الفن الاسلامي عناصر أخرى منغولية وهندية وتركية. وردد ثروت عكاشة في موسوعاته الفنية ما قاله الآخرون.
بيد أن شاكر لعيبي في كتابه: "الفن الاسلامي والمسيحية العربية" لم يتوان عن مخالفة السابقين وتابعيهم من العرب. وقلب المنظور المتعارف عليه بين الباحثين الذين يفترضون أولوية العنصر البيزنطي وعمق نفوذه وهيمنته على مجمل الفن البصري الإسلامي. ولم يقف عند حدود التمييز بين أثر دخيل وآخر ، ولم يقر أصلاً بوجود أي عنصر طارئ او عامل خارجي فاعل في بلورة حركة هذا الفن وصيرورته. بل طرح رؤية اخرى غير مألوفة. رؤية ضدية تفضي الى تظهير أثر العرب المسيحيين على الفنون البيزنطية من خلال تقصي العوامل العربية الشرقية، والمساهمات المسيحية الآرامية في تكوّن السمات العامة لهذا الفن.
وفي مقاربته الجريئة يتوسع لعيبي في مفهوم الفن وفضائه التعبيري متجاوزاً التشكيل ، الى محترفات ومشاغل الصاغة والنحاسين والخطاطين والخزافين وحرفيي الموزاييك ، وسوى ذلك من فناني أبناء المنطقة السورية – العراقية الذين أسهموا في الإنجاز الفني الإسلامي، وترقية المعارف والأساليب التصويرية وتطوير التقاليد الحرفية الفنية او الفنون التطبيقية، وتمهيد الطريق الى بلورة الفن البيزنطي في شكله النهائي.
ويتبنى شاكر لعيبي بدلاً من فرضية التأثير البيزنطي على التصوير الإسلامي خصوصاً في القرن الثاني عشر الميلادي، فرضية أخرى تتحدث عن حركة انتقال قديمة وبطيئة لفن مولود في شمال العراق وسورية الى بيزنطة. ويمكن في هذه الحال، وحسب رأي المؤلف ان يكون الفن البيزنطي اختراعاً سورياً أي قادماً من سورية الآرامية ومن سورية المسيحية التي اهتدت قبل غيرها الى هذه الديانة، وعبّرت عن اعتقاداتها بأشكال تصويرية وتشكيلية وأيقونية.
ويرد لعيبي علة ممانعة المؤرخين الغربيين في قبول فكرة أصالة الفن العربي الى النزعة الإيديولوجية العميقة السائدة في الغرب . والتي تنزل الثقافة الإغريقية منزلة الصدارة المطلقة، والمرجعية الفكرية الاولى. كذلك النظرة الإستشراقية التي تفصل المسيحيين العرب عن محيطهم الثقافي وتحسب اتقانهم عهد ذاك اللغة اليونانية والترجمة عنها إنجازات يونانية صرف.
في حين ينافح لعيبي الذي يتوجس من أي محمول إيديولوجي عن فكرة الإنصهار الحضاري والثقافي بين المسيحين العرب والمسلمين الذين يتجانسون في إطار معيشي واحد، ومنظومة اجتماعية تراتبية متشابهة، وأحوال اقتصادية متماثلة. وفي المقابل، يرى الحضارة الإسلامية غير منقطعة عن محيطها ولا تشكل انفصاماً تاريخياً عن سياق تطور المنطقة العربية منذ القديم . وهذه النظرة بدورها لا تخلو حقيقة من شبهة إيديولوجية سجالية ذات بُعد قومي، لا يستطيع ان يتحاشاها لعيبي دائماً، ان حسنت نواياه او تبرأ منها.
ورغم ان الفنانين المسيحيين العرب انكبوا على استحضار وجوه القديسين في رسومهم الأيقونية واستلهموا الحكايات الرمزية المستنبطة من الكتاب المقدس والتيمات الدينية المختلفة. فإن ذلك لم يمنع الفنانين المسلمين خصوصاً الذين اعتنوا بالرسم التشخيصي المحظور عند الفقهاء المتشددين، من استيحاء كثير من العناصر البنائية والزخرفية والأسلوبية التي شاعت في منطقة دورا- اوربوس على ضفاف الفرات قبل الإسلام ، واكتشفت نهاية القرن التاسع عشر . وجاء هذا الاستدماج والاستيعاب الاسلامي لتقاليد دورا- اوربوس لكون العمل الفني حسب رأي المؤلف يعكس تجليات الثقافة او الحضارة الجامعة، بصرف النظر عن العقيدة الدينية المخالفة. وهذا التأثير لم يحل دون استعادة سجال خفي بين المسلمين والمسيحيين حول الفن التشخيصي والأيقوني الذي يكتشف من نصوص عربية كلاسيكية طريفة يوردها المؤلف كاملة في بعض الأحيان.
ويعكف شاكر لعيبي على مادة اختبارية فنية ليثبت صحة مقولاته وفرضياته حول موضوع رؤيته الضدية، متفحصاً إحدى المخطوطات المحفوظة في المكتبة الوطنية في مدريد ، تحت اسم " دستور أدوية اليونان المدريدي المزين بالصور" وتحتوي المخطوطة على 574 منمنمة على الأوراق وبهامشها نص يوناني.
وهذه المنمنمات التي يقرأها لعيبي قراءة مفصلة، وبعبارة أدق، يعيد قراءتها على ضوء نظريته فينسبها الى فنانين سوريين مسيحيين . وليس الى فنانين بيزنطيين، كما افترض المعلق الإسباني استوبانيان الذي حلل من قبل هذه المنمنمات ذاتها. ويعقب لعيبي مفنداً أقوال العالم الإسباني ومتحرياً عن العناصر التشيكيلية العربية الإسلامية، والخلفيات الثقافية والحضارية والسياسية التي أحاطت بهذا العمل الفني. ويتوقف في هذا المقام عند تحليل الأزياء الرجالية والنسائية والإشارات والإيماءات الجسدية وكيفية معالجة الفضاء. ويضع يده على دلالات وعناصر إسلامية وعربية عديدة ، مثل السحنة البدوية ، وطراز الألبسة الإسلامي ، وارتداء العقالات ووضعية الجلوس وحركة الأيدي ومحاكاة المنابر والأروقة والقباب. ويماثل لعيبي بين أسلوب المنمنمات وأسلوب المدرسة العباسية البغدادية.
ويعزو بعض الخصائص والسمات التشكيلية التي شوهدت في أعمال الرسم وأعمال النحاس والنتاجات الفنية اليدوية المصنوعة في فترة الحكم الاسلامي الى مدرسة الموصل التي حافظت على الإرث الأشوري ، عبر وساطة الكنيسة النسطورية ، حيث بقيت المدينة العراقية مركزاً للمنتوجات الحرفية والتشكيلية طوال الفترة البيزنطية والفارسية.
ويعاين المؤلف ثلاثة نماذج فنية ساسانية هي طبقان من فضة أحدهما من القرن الرابع الميلادي، وبقايا صينية من القرن الخامس ليقدم رؤية رديفة تدعم مقولته عن أثر حضارة المنطقة الرافيدينية في الفن الساساني السابق على الاسلام .
إزاء هذا المنظور الفضفاض للفن الاسلامي الذي تتواشج داخله عناصر تكوينية متباينة، وروافد وإضافات متعددة خصوصا الإضافة الشرقية المسيحية، يغدو المصطلح الإسلامي أضيق من أن يضم عبر تمثيلاته التشكيلية التشخيصية إيحاءات الديانة الإسلامية فحسب، وانما يتسع لرؤية حضارية معقدة وجامعة بمقتضى اجتهاد المؤلف ونزعته الشمولية.

أحمد زين الدين

 

 

HTML Comment Box is loading comments...