Skip to: Site menu | Main content

       
 

 

ناقد حر

 

للكاتب احمد زين الدين

موقع ادبي ، فكري ، تجديدي

 

 

   
 

ألماس ونساء: لينا هويان الحسن

    احمد زين الدين

 

لا تتوانى الروائية الشابة لينا هويان الحسن عن إيلاء قضية المرأة السورية خاصة، والعربية عامة، أقصى عنايتها لاستعادة هويتها الإنسانية. وإذا كانت معنية بهذا الموضوع بداهة، بصفتها الأنثوية كغالب الكاتبات والشاعرات، إلا انها تتباين عنهن في معظم رواياتها، بطريق المقاربة القصصية التي تتميّز بسبر أغوار القضية النسوية، لا من باب المَظلمة والقهر والتعسف، ولا من باب البوح الرومانسي، أو التذمّر أو الاكتئاب، وإن كانت مثل هذه المشاعر ليست غريبة عن بطلاتها، بل هي في جوهر معاناتهن. لكنها تسلك في هذه القضية مسلك المتقصية والباحثة عن جذور القمع التاريخي المترسّب في قاع المجتمعات العربية التقليدية، وذلك عبر التنقيب والحفر في متون المرويات الشعبية، والمؤلفات المنشورة، والصور المتبقية عن المراحل الزمنية التي تتحدث عنها في قصصها، والإحاطة بكل المرجعيات التي تتطرق إلى هذه الحقب. دون أن تشكّل هذه النزعة مدخلاً لكتابة رواية تاريخية أو توثيقية. جلّ ما في الأمر تعرية الخلفيات التي ينجم عنها هذا الاختلال الاجتماعي، الذي يحدث عادة لمصلحة الرجل.

والميّزة الثانية التي تتمتع بها روايات الكاتبة، ان الإشكالية النسائية لديها لا تنفصل عن الإشكالية العربية العامة، المتمثّلة في الصراع الطبقي، أو المناطقي أو الديني، أو التفاوت الثقافي والتعليمي والحضاري بين الشرائح الإجتماعية المختلفة.

في روايتها الجديدة "ألماس ونساء" ـ دار الآداب ـ لم تخرج لينا هويان الحسن عن السياق المذكور، إذ رسمت مصائر عدد من النسوة السوريات اللاتي توطّنّ في المهجر الأميركي اللاتيني والباريسي، عشية الحرب الكونية الأولى لأسباب متباينة، إما هرباً من المجاعة أو البؤس أو الخيانة أو الطموح أو اليأس أو الحرمان. لكن مجمل ما حدث لهن من نهايات فاجعة أو مبهجة، إنما كان حصيلة التفاعل الديناميكي مع هذا العالم الجديد، بكل ما انطوى عليه من مغريات أو عوائق.

بين ألماظ بطلة الرواية، وألماس علاقة تتخطى الجناس اللفظي، إلى علاقة وجدانية جعلت من العقد الماسي الذي كانت تحتفظ به البطلة أعواماً مديدة، هدية من جدتها بابور الهندوسية، يتحوّل مع مرور الزمن، إلى تميمة من التمائم السحرية التعويذية. فلما خسرته في النهاية على طاولة الميسر، خسرت معه حياتها، بعد أن رمت نفسها في لجّة مياه عميقة. وقد سئمت من مسار حياة طويلة من القنوط والرتابة والصبر، رغم ما كان يحدق بها من مظاهر الثراء والرفاهية.

تحاول القاصة من خلال تتبّع مسار ألماظ ، ومعاناتها مع زوجها الكونت العجوز كرم شاهين الخوري اللبناني الأصل الذي يزدريها، ولا يراعي مشاعرها الأنثوية والزوجية، استجلاء حياة المهاجرين العرب، لا سيما السوريين واللبنانيين منهم، وتظهير واقعهم في بلاد الغربة. وهي تضيء على أنماط حياتهم، وعاداتهم، وأذواقهم، وطرائق تجاراتهم، وطموحاتهم العلمية، وعلاقتهم مع بعضهم البعض. جاليات حملت كل منها إلى موطنها الجديد أعرافها وصبواتها وأعطابها وذاكرتها، قبل أن تمحوها أو تمحو بعضها أصابع الزمن. وتنحو الروائية إلى الإماطة عن الشروخ في قلب الأواصر الاجتماعية والسياسية، حيث تنشب المنازعات في وجهات النظر، حول ما يدور من أحداث في دمشق، أثناء الحرب العالمية، بين معارضين ومؤيدين للحركة العربية، ومطالب الاستقلاليين. هل نقرأ عبر هذه السجالات اسقاطات على ما يجري اليوم بين أطياف المعارضة السورية في الخارج؟

ودمشق عهدذاك، كانت تحاول أن تتأقلم مع انجازات الحداثة التكنولوجية الوافدة إليها، مثل التراموي والهواتف والسيارات والهندسة العمرانية العصرية. وكانت تشهد مع سائر العواصم العربية يقظة فكرية وسياسية، ينهض بها تنويريون وأدباء، ودعاة حرية واصلاح تربوي واجتماعي. قبل أن ينتهي زمن الرواية في منتصف السبعينيات، وقد غادرت برلنت العاصمة السورية، وهي تزدحم بخليط من المخادعين واللصوص والقوادين الذين يديرون حملات اعتقال، وكتابة تقارير كيدية، تؤرق أهل المدينة.

تقف الساردة عند صبابة الكونت المتلاشية، ونزوات أصدقائه الرجال، وعبثهم وغدرهم بزوجاتهم وعشيقاتهم. لكن الغدر ليس دائماً الثمرة المريرة لمآل العلاقة بين الجنسين، بل إن الإخلاص يكون أحياناً من شيم المحبين. والقاصة تجلو في هذا المقام معنى الحبّ الحقيقي الذي انعقد في دمشق بين رومية الشابة المسلمة، والشاب اليهودي يوسف زيلخا الذي أنقذها قبل ان يتزوجها، من غرق محتوم، فبادلته الوفاء، إلى حدّ انها قضت حزناً على فراقه.

وتقف بوجه أخص، عند نساء متباينات المشارب والأهواء والطبقات. نساء دمشقيات عديدات يتصارعن على العشاق والمال والجاه. تردّت بهن الأحوال ليصبحن محظيات باحثات عن المال والشهرة وامتاع الرجال. نساء عنونت باسمائهن فصول روايتها، وحبكت بينهن خيوطاً، أو روافد سردية تشكّلت حول شخصيات وأمكنة متباعدة.

كانت المرأة لضعف حيلتها وتدنّي مكانتها في المجتمع، هي الضحية الأولى للحرب والمجاعة والأوبئة التي أفرزتها الصراعات العسكرية. وكانت آلة جنسية لتلبية رغبات الرجال، بيد أن المرأة عند لينا هويان الحسن، لا تلين ولا تذعن بسهولة لقدرها المكتوب، ومصيرها البائس. بل هي تنحو إلى تجاوز ضعفها ووهنها. وتستعمل، عندما تحين الفرصة، كل ما حبتها الطبيعة من جاذبية ومن عاطفة، وكل ما جربته واختبرته من شؤون البشر وشجونهم، لتثأر لنفسها.

وتماهي القاصة المرأة بالقطة كرمز طوطمي حيواني، وقد استوحت في روايتها السابقة "نازك خانم" بعضاً من غريزتها. وفي رواية "ألماس ونساء" تتماثل بطلتها ألماظ مع القطة "نيغرو" التي ترافقها في الباخرة "أوره نوف" المتوجهة إلى بلاد الإغتراب، قبل أن تضيع منها في إحدى رحلاتها التالية. وقد أضفت الساردة على ألماظ ملامح قطتها. القطة التي تعلمت منها كيف تكون وديعة، مستكينة، منحنية، متمطية، ومتكوّرة. قبل ان تنفض عنها مظاهر خنوعها، وهيئتها المخادعة هذه، وتتوثّب للانقضاض على فريستها، ناشبة مخالبها فيها. فكان طبيعياً أن لا تستسلم نساء، مثل: لوليا ورومية، وطبعاً ألماظ، لمصيرهن المحزن، وأحلامهن المجهضة، وخيباتهن المتلاحقة. بل تحلّين بوعي قيمتهن الإنسانية، وبعزيمة كامنة لتجاوز لحظات الانسحاق النفسي، ولبلوغ ما يأملن من نجاح. وقد أفلحن بالفعل في تحقيق أعمال باهرة في المهجر، ونلن شهرة واسعة في تجارة الأقمشة، وفي إدارة المطابع الحديثة، والفنادق والمعامل، وفي الاضطلاع بالمضاربات العقارية.

تنفتح لينا هويان الحسن في روايتها ذات الكثافة الحكائية، على شهوة القص، ومتابعة السرد غير المنقطع. وتستحوذ على سلطة الكلام كصوت سردي وحيد وعليم. ثمة هاجس ملحاح لرواية الحكايات، وسبر المشاعر النسوية الخبيئة والمكتومة، التي تنتهي غالباً بمآس شخصية. يشرّع السرد المتدفق والمتشعّب والمتواصل في الرواية السبيلَ إلى رسم الخطوط المتداخلة لتاريخ العائلات والطوائف والأمكنة والصراعات السياسية. حكايات يُعاد توزيعها وتقاطعها وتنويع مساراتها وفضاءاتها السردية، عبر العناوين الداخلية للرواية التي تحمل اسماء نسائها: ألماظ وجاويدان ونادجا ولور وكارو وبابور ورومية ولوليا ولطفية وبرلنت وسلمى. ويصعب عندئذ التماس مضمون الخطاب الحكائي، دون الاكتراث بعملية التواشج بين الروافد القصصية هذه، وانصهارها في بوتقة واحدة، أو في نسق تخييلي يهيمن على مجمل الفضاء الروائي العام.

ولينا هويان الحسن تنأى رغم ذلك، عن استهلاك العُقد والحبكات المبتذلة والمعروفة. وتؤثر ان تتكفل بتقديم شهادة حية على فترة تاريخية خصبة، من حياة أبناء بلدها داخل دمشق وخارجها. مقرونة بميثاقية مرجعية، تتشكل منها المادة الروائية التي تخضع بالطبع لتصورات القاصة، وخطتها السردية، وتصرّفها في المكوّنات الحدثية والزمنية.  

نشر في جريدة الحياة اللندنية في 11 آب 2014

 

 

 

HTML Comment Box is loading comments...